الشوكاني
57
فتح القدير
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك بن مزاحم نحوه ، وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا حاجة لنا في بسطها هنا . سورة المائدة الآية ( 64 - 66 ) قوله ( يد الله مغلولة ) اليد عند العرب تطلق على الجارحة ، ومنه قوله تعالى - وخذ بيدك ضغثا - وعلى النعمة ، يقولون كم يد لي عند فلان ، وعلى القدرة . ومنه قوله تعالى - قل إن الفضل بيد الله - أو على التأييد ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يد الله مع القاضي حين يقضى " وتطلق على معان أخر . وهذه الآية هي على طريق التمثيل كقوله تعالى - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك - والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازا ، ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف ، ومنه قول الشاعر : كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها * وكل باب من الخيرات مفتوح * فاستبدلت بعده جعدا أنامله * كأنما وجهه بالخل منضوح فمراد اليهود هنا عليهم لعائن الله أن الله بخيل ، فأجاب سبحانه عليهم بقوله ( غلت أيديهم ) دعاء عليهم بالبخل ، فيكون الجواب عليهم مطابقا لما أرادوه بقوله ( يد الله مغلولة ) ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة ، ويقوى المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهوديا ، وإن كان ماله في غاية الكثرة ، إلا وهو من أبخل خلق الله ، وأيضا المجاز أوفق بالمقام لمطابقته لما قبله . قوله ( ولعنوا بما قالوا ) معطوف على ما قبله والباء سببية : أي أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم : ) يد الله مغلولة ) ، ثم رد سبحانه بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) أي بل هو في غاية ما يكون من الجود ، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء ، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة ، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام : أي كلا ليس الأمر كذلك ( بل يداه مبسوطتان ) وقيل المراد بقوله ( بل يداه مبسوطتان ) نعمة الدنيا الظاهرة ونعمتها الباطنة ، وقيل نعمة المطر والنبات ، وقيل الثواب والعقاب . وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ " بل يداه بسيطتان " : أي منطلقتان كيف يشاء . قوله ( ينفق كيف يشاء ) جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه : أي إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته ، فإن شاء وسع ، وإن شاء قتر ، فهو الباسط القابض ، فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا لشئ آخر ، فإن